الوضع المظلم
الثلاثاء ٢١ / يوليو / ٢٠٢٦
Logo
  • حبال ترامب وفخاخ المتوسط: هل تنجح دمشق في تجنب "مصير الباشا"؟

حبال ترامب وفخاخ المتوسط: هل تنجح دمشق في تجنب
أسامة أحمد نزار صالح 

​في خريف عام 1829، كان رئيس الوزراء الفرنسي "بولينياك" ينسج خيوط مؤامرة تمنح بلاده موطئ قدم على الشاطئ الجنوبي للمتوسط. التفتت فرنسا آنذاك نحو القاهرة، عارضةً على واليها الطموح، محمد علي باشا، صفقةً مغرية: أن تسير فيالقه العسكرية لافتتاح شمال أفريقيا، من طرابلس الغرب حتى الجزائر، تحت غطاء فرنسي. بدت الصفقة في ظاهرها مكسباً وتوسعاً لأراضي "الباشا"، لكن رجل مصر القوي، الذي كان يقرأ جغرافيا المنطقة بعيون "الواقعية السياسية"، أدرك أن باريس تريده "مخلب قط" يدير معاركها بالوكالة، وأن أي اندفاعة غير محسوبة ستغضب القوى الحارسة لـ "التوازن الدولي"، وفي مقدمتها بريطانيا العظمى. ناور محمد علي بذكاء، ولم يقدم على مغامرة تخدم مصالح الآخرين.

​وكما تُعلمنا الشواهد، فإن التاريخ في الشرق الأوسط لا يموت، بل يُبعث حياً بتفاصيل وأسماء جديدة؛ فالصعود اليوم إلى "قطار ترامب" مشروطٌ، أصلاً, بالتسليم المطلق بتفرده بالقيادة تحت شعار "أمريكا أولاً". سيّد البيت الأبيض وحده هو من يتحكم بموعد الضغط على كوابح هذا القطار، سواء قبل المحطة التي يرتجيها الراكب الحليف.. أو بعدها.

​وآخر الراكبين في هذا القطار السريع، كان قد حجز مقعده بتوصية تركيّة-سعودية وازنة. والرجل، كما تصفه مراكز الأبحاث والصحافة العالمية اليوم، يملك قدرة واضحة على التموضع الجيوسياسي الجديد؛ فبالرغم من ماضيه، يتحدث رجل سوريا الجديد اليوم بلغة تفكك الشفرة الغربية وتخاطب حسابات سيد البيت الأبيض؛ لغة المصالح الحيوية، وتفكيك عشوائية الفصائل وحلها، والتركيز على مفاهيم إعادة الإعمار، الاستقرار، وجذب الاستثمارات.

​وفي الشرق الأوسط، تفيض أزمات الوجود والحدود، تماماً كما تفيض خرائطه على جيرانها؛ في صراع هويات ومكونات تحاول القفز فوق الخطوط المرسومة، وقد تتكرر أحياناً شهيات قديمة بحلة جديدة.

​ومن الداخل والخارج يتساءل المراقبون، وطبيعيٌ أن يُطرح السؤال: لماذا يدفع ترامب دمشق إلى دخول لبنان؟ وكيف يمكن لـ رجل سوريا القوي أن يلبي رغبة واشنطن في تقويض نفوذ حزب الله دون الوقوع في فخ المستنقع اللبناني؟

​الإجابة تتلخص بعقلية "رجل الأعمال" الصارمة. فقد بدأ صبر دونالد ترامب ينفد تجاه الأسلوب الإسرائيلي الاستنزافي في معالجة ملف حزب الله؛ أسلوبٌ يراه سيد البيت الأبيض مكلفاً، طويلاً، ويعطل قطار الصفقات الكبرى والوصول إلى اتفاق شامل.

​ومن منظور "كلفة وعائد"، يسعى ترامب إلى خفض الإنفاق العسكري الأميركي المباشر عبر إلقاء التكاليف والمهام الميدانية على كاهل أطراف إقليمية انضمت حديثاً إلى الفلك الأميركي. بالنسبة لترامب، التدخل السوري المطلوب ليس مجرد دور عسكري، بل هو نوع من "استثمار الأرباح" في التغيير السياسي الذي شهدته دمشق؛ تغييرٌ يعزوه ترامب لنفسه ولسياسته، ويريد اليوم تسييله كأوراق ضغط ووسائل تنفيذ لسياسة ومصالح أمريكا، وبأقل كلفة ممكنة.

​لكن "الراكب السوري" الحذر يدرك تماماً أن الاستجابة العسكرية المباشرة لهذا العرض الترامبي بمثابة "انتحار سياسي"؛ فتقديم خدمة مجانية كهذه سيظهره في ثوب من يحارب بالوكالة ولصالح أطراف خارجية. وفي الوقت نفسه، فإن أي محاولة لدعم فصائل محلية مواجهة تعني إشعال مواجهة طائفية، لن تلبث نيرانها أن تتدفق فوراً لتلتهم الداخل السوري، وتهدر كل جهود حكومته الرامية لإعادة الإعمار ودعم الاستقرار الداخلي.

​وهنا تبرز البراغماتية والمناورة الدبلوماسية في الإطلالة الأخيرة للرئيس أحمد الشرع عبر قناة "المشهد"؛ فحين اعتبر أن تصريحات الرئيس ترامب أسيء فهمها وجرى تضخيمها "وكأن القوات السورية ستدخل لبنان صباح الغد"، لم يكن ذلك إعلاناً للرفض الفج، بل كان خطوة ذكية لإعادة صياغة آليات التنفيذ وتوقيتها بما يحمي مصالح دمشق ويحقق رغبة ترامب في آن واحد.

​وإذا كان التجاوب حتمياً لإرضاء ساكن البيت الأبيض المصرّ على موقفه، فإن القراءات التحليلية ترجح أن دمشق لن تدخل لبنان على متن الدبابات، ولا كطرفٍ داعم لفريق ضد آخر. الخيار الثالث والأكثر واقعية يكمن في تحولها إلى "شريك خلفي" للشرعية اللبنانية عبر دعم الجيش اللبناني بأدوات ناعمة وخشنة معاً؛ مستفيدة من مخزونها المتراكم في الجهد العملياتي والأمني وإدارة المجموعات.

​وبناءً على هذه الرؤية، يمكن لدمشق تفعيل استراتيجية "الخنق اللوجستي والأمني" عبر ضبط الحدود بإحكام، وتمرير معلومات استخباراتية دقيقة وحساسة للجيش اللبناني، دون أن تترك وراءها أي بصمة سورية رسمية متهورة؛ رُغم ما يحمله هذا الخيار بالضرورة من مخاطر انكشاف أمني، وحتمية التعرض لضربات ارتدادية، أو الدخول في مواجهة صامتة وشرسة مع الأذرع الإقليمية الأخرى على الجبهتين اللبنانية والعراقية، والتي لن تقف مكتوفة الأيدي أمام خنق شرايينها الحيوية.

​هكذا، تمنح دمشق ترامب النتيجة السياسية التي يريدها بأقل كلفة، دون أن تطرف مباشرة في مستنقع الحرب البرية، ودون أن تظهر أمام المجتمع الدولي بمظهر "المحتل" الجديد للبنان.

​وهنا يثبت صانع القرار في دمشق أنه استوعب دروس التاريخ؛ فالقيادة السورية تدرك أن اندفاعة محمد علي باشا الكبرى في القرن التاسع عشر، ورغم عبقريته، انتهت بتكالب القوى العظمى وخنق طموحاته عبر "معاهدة لندن" عام 1840م الإقصائية، التي أعادته مجبراً إلى حدود مصر وحجمت مشروعه بالكامل نتيجة حسابات لم تحمِ نفسها من تقلبات القوى الدولية.

​الواقعية السياسية اليوم تفرض على دمشق اللعب على حبال المصالح الترامبية بهدوء؛ تلبية النتيجة المطلوبة، حماية الأمن القومي، وتجرع بعض الأثمان الميدانية الحتمية لتجنب الفخاخ الأكبر. التاريخ في الشرق الأوسط قد يكرر نفسه بالأسماء، لكن اللاعبين الأذكياء هم وحدهم من يغيرون الخواتيم، لتبقى دمشق ممسكة بزمام المبادرة.. دون أن تحترق أصابعها بالكامل في الموقد اللبناني.

ليفانت: أسامة أحمد نزار صالح 

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!